ملا محمد مهدي النراقي
301
جامع السعادات
قبح مقالتهم . . وقس على ذلك غيره من الآيات المختلفة . ومهما تمت المعرفة كانت الخشية أغلب الأحوال على القلب ، إذ التضيق غالب على آيات القرآن إذ لا ترى ذكر المغفرة والرحمة إلا مقرونا بشروط يقصر الأكثرون عن نيلها ، ولذلك كان في الخائفين من يصير مغشيا عليه عند استماع آيات الوعيد ، ومنهم من مات بمجرد استماعها . وبالجملة : المقصود الأصلي من القرآن ، استجلاب هذه الأحوال إلى القلب والعمل به وإلا فالمؤنة بتحريك اللسان بحروفه خفيفة . وحق تلاوة القرآن أن يشترك فيها اللسان والعقل والقلب فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل ، وحظ العقل إدراك المعاني ، وحظ القلب الاتعاض والتأثر بالحالات المذكورة . فاللسان واعظ القلب ، والعقل مترجم ، والقلب متعظ . ومنها - الترقي : وهو أن يترقى إلى أن يسمع الكلام من الله تعالى لا من نفسه . فدرجات القراءة ثلاث : الأولى : وهي أدناها ، أن يقدر العبد أنه يقرؤه على الله تعالى واقفا بين يديه ، وهو ناظر إليه ومستمع منه ، فتكون حاله - على هذا التقدير - التملق والسؤال والتضرع والابتهال . الثانية : أن يشهد بقلبه ، كأن ربه يخاطبه باللطافة ، ويناجيه بإحسانه وإنعامه فمقامه الهيبة والحياء والتعظيم والاصغاء . الثالثة : أن يرى في الكلام المتكلم ، وفي الكلمات الصفات ، فلا ينظر إلى نفسه وإلى تلاوته ، ولا إلى تعلق الإنعام به من حيث أنه منعم عليه ، بل يكون مقصود الهم على التكلم موقوف الفكر عليه . كأنه مستغرق بمشاهدة المتكلم من غيره . وهذه درجة المقربين والصديقين ، وما قبله من درجات أصحاب اليمين وما خرج من ذلك فهو درجات الغافلين . وقد أخبر عن الدرجة العليا سيد الشهداء - أرواحنا فداه - حيث قال ( ع ) : ( الذي تجلى لعباده في كتابه بل في كل شئ ، وأراهم نفسه في خاطبه ، بل في كل نور ) . وأشار إليها الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام حيث قال : ( والله لقد تجلى الله عز وجل بخلقه في كلامه ! ولكن لا يبصرون ) . وروي : ( أنه لحقته حالة في الصلاة ، حتى خر مغشيا عليه ، فلما سرى عنه ، قيل له في ذلك ، فقال ( ع ) : ما زلت أردد الآية على قلبي ، حتى سمعتها من المتكلم بها ، فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته ) . وفي مثل